✍️ بقلم الشيخ علي جنيدي
الحمد لله الذي بلغنا شهر رمضان ووفق من شاء من عباده للصيام والقيام، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ الذي دل أمته على أبواب الخير وحثهم على اغتنام الأوقات الفاضلة.
يمضي رمضان سريعًا، وها نحن نصل إلى منتصفه. أيام مضت بما فيها من طاعات واجتهاد أو تقصير وغفلة، وبقيت أيام عظيمة ينبغي للمسلم أن يستقبلها بعزم جديد. فالعبرة ليست ببداية العمل فقط، بل بحسن الخاتمة والثبات حتى النهاية.
رمضان يمضي سريعًا
من طبيعة هذا الشهر المبارك أن أيامه تمر كأنها لحظات. يدخل الشهر والناس يستعدون له، ثم لا يلبث أن ينتصف، ثم سرعان ما يودع. لذلك كان السلف الصالح يدركون قيمة هذه الأيام ويحرصون على استثمارها في الطاعة.
قال الله تعالى:
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾
سورة البقرة: 184
وصف الله أيام الصيام بأنها معدودة؛ لأنها قليلة سريعة الانقضاء، ولذلك كان المؤمن يغتنمها قبل أن تفوته.
العبرة بالخواتيم
ليس المهم كيف بدأ الإنسان رمضان، ولكن المهم كيف يختمه. فقد يبدأ المرء الشهر بنشاط ثم يفتر، وقد يبدأ بتقصير ثم يتدارك نفسه فيجتهد فيما بقي.
قال النبي ﷺ:
"إنما الأعمال بالخواتيم"
رواه البخاري.
وهذا الحديث يبين أن قيمة العمل تكون بحسن خاتمته، ولذلك ينبغي للمسلم أن يجدد نيته ويعزم على أن تكون بقية أيام رمضان أفضل من التي مضت.
ما بقي من رمضان أعظم
ما بقي من رمضان ليس أيامًا عادية، بل فيه أفضل ليالي الشهر، وهي العشر الأواخر التي كان النبي ﷺ يجتهد فيها أكثر من غيرها.
عن عائشة رضي الله عنها قالت:
"كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله"
رواه البخاري ومسلم.
وفي هذه الليالي ليلة عظيمة هي ليلة القدر التي قال الله تعالى فيها:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾
سورة القدر: 3
أي أن العبادة فيها خير من عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة.
كيف تغتنم ما بقي من رمضان
من أراد تعويض ما فاته من الشهر فالباب ما زال مفتوحًا، ومن أهم الأعمال التي ينبغي المحافظة عليها في بقية رمضان:
أولًا: المحافظة على الصلوات في وقتها مع الإكثار من صلاة التراويح والقيام.
ثانيًا: الإكثار من قراءة القرآن، فرمضان هو شهر القرآن، وقد كان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن في هذا الشهر.
ثالثًا: الإكثار من الدعاء، وخاصة في أوقات الإجابة مثل وقت الإفطار وآخر الليل.
رابعًا: الصدقة والإحسان إلى الناس، فقد كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.
خامسًا: الإكثار من الاستغفار والتوبة، فرب لحظة صدق مع الله تكون سببًا في مغفرة الذنوب.
وقفة مع النفس
انتصاف رمضان فرصة عظيمة لمراجعة النفس. يسأل المسلم نفسه: ماذا قدمت منذ بداية الشهر؟ وهل استفدت من أيامه كما ينبغي؟
إن من رحمة الله أن باب التوبة والعمل الصالح يبقى مفتوحًا حتى آخر لحظة من العمر، فكيف بشهر كريم ما زال فيه متسع من الوقت للطاعة.
فلنجتهد فيما بقي من رمضان، ولنجعل أيامه القادمة أفضل من أيامه الماضية، ولعل الله أن يكتب لنا فيه القبول والمغفرة والعتق من النار.
