الشيخ علي جنيدي

نفحات إيمانية

الرياح جند الله المسخر فقه التعامل مع المتغيرات الكونية ويقين المؤمن في الأرزاق

علي محمد على عبدالعليم جنيدي
المؤلف علي محمد على عبدالعليم جنيدي
تاريخ النشر
آخر تحديث


✍️بقلم الشيخ علي محمد علي جنيدي✅

الرياح ليست مجرد هواء متحرك

في مثل هذه الأيام التي تشتد فيها الرياح وتثير الأتربة في أرجاء بلدنا الحبيب مصر يقف المؤمن وقفة تأمل وإجلال لربه ومولاه إن الرياح في المنظور الإسلامي ليست مجرد ظاهرة مناخية ناتجة عن تقلبات الضغط الجوي بل هي خلق مأمور وجند من جنود الله المسخرة التي تحمل في طياتها الحكم والعبر يقول الله تعالى في محكم التنزيل وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون إنها حركة لا تخلو من حكمة وسكون لا تخلو من قدر وفي هذا المقال نبحر في أعماق السنة النبوية لنفهم كيف كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يستقبل الريح وكيف نستلهم من هبوبها دروساً في الثبات واليقين.

أولاً:- الرياح في القرآن بين الرحمة والعذاب

لقد فرق القرآن الكريم في مواضع كثيرة بين الريح والرياح فغالباً ما تأتي الرياح بصيغة الجمع في سياق الرحمة والتبشير بالمطر والخير كقوله تعالى وأرسلنا الرياح لواقح وقوله ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات أما الريح بصيغة المفرد فقد وردت غالباً في سياق الابتلاء والتخويف أو العذاب كقوله فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً هذا التقسيم القرآني يعلمنا أن هذه الظاهرة قد تكون بوابة لخير عميم يسوقه الله للأرض العطشى وقد تكون تنبيهاً للعباد ليعودوا إلى رشدهم إن المؤمن يرى في رياح اليوم دعوة لغسل قلبه بالاستغفار وتذكيراً بعظمة الخالق الذي يقلب الأكوان بكلمة كن.

ثانياً:- أدب النبي صلى الله عليه وسلم والسنة المهجورة عند الهبوب

كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعرف الخلق بالله إذا عصفت الريح عرف ذلك في وجهه خشية وإجلالاً وكان يجثو على ركبتيه ويقول اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به لقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم صراحة عن سب الريح لأنها مأمورة لا تملك من أمرها شيئاً إن من يسب الريح أو يتذمر من الأتربة إنما يعترض في الحقيقة على تدبير الخالق الأدب النبوي يعلمنا الإيجابية الإيمانية فبدلاً من الشكوى نلجأ إلى الدعاء وبدلاً من الضيق ننتظر الفرج الذي غالباً ما يعقب الريح الشديدة.

ثالثاً:- الرياح لواقح للأرزاق رؤية إيمانية زراعية

في ربوع بلدنا الحبيب مصر نعلم يقيناً أن الرياح هي بريد الرزق فهي التي تحمل غبار الطلع لتلقح النباتات وهي التي تسوق السحب الثقال إلى الأرض الميتة لتحييها بالماء يقول تعالى وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته إن المؤمن الذي يرى الرياح تشتد اليوم يجب أن يمتلئ قلبه باليقين فالله الذي يسير هذه الرياح العاتية في مسارات دقيقة هو الذي يسير رزقك ويحفظ سعيك إن الرياح اليوم هي مقدمة لفتح في الأرزاق فكم من بذرة ما كانت لتنبت وكم من شجرة ما كانت لتثمر لولا هذه الحركة الكونية التي قد نراها مزعجة لكنها في جوهرها حياة.

رابعاً:- رياح الفتن وكيف يثبت المؤمن كالجبل

هنا ننتقل من الرياح الحسية إلى الرياح المعنوية فكما أن الرياح الشديدة تقتلع الأشجار الضعيفة الجذور وتترك الأشجار الراسخة فإن رياح الفتن والشبهات التي تعصف بعصرنا الحالي تختبر إيمان القلوب إن المؤمن الذي تربى في مدرسة الاستقامة وتسلح بالعلم الشرعي الرصين يظل ثابتاً لا تحركه الأهواء إن الدرس المستفاد من جو اليوم هو أصلح جذورك الإيمانية فمن كان اتصاله بالله قوياً لم تضره رياح التشكيك ولا عواصف المغريات كن كالنخلة المصرية الأصيلة مرنة مع الريح في فروعها لكنها راسخة في أصلها.

خامساً:- فقه تصريف الرياح وقدرة الخالق

تأمل يا أخي في قوله تعالى وتصريف الرياح والتصريف يعني التوجيه الدقيق فهذه الريح تهب شمالاً لتدفع السحب وتلك تهب جنوباً للطف الجو هذا النظام المحكم لا يمكن أن يكون صدفة وبصفتنا مدرسين وعلماء يجب أن نغرس في نفوس أبنائنا أن المنظومة الكونية هي أكبر كتاب مفتوح للدعوة إلى الله إن الرياح التي تحرك السفن وتطهر المدن من التلوث هي آية باهرة على وحدانية الله إن المؤمن العاقل هو من يرى يد الله وهي تحرك الوجود فيطمئن قلبه ويسكن روعه.

سادساً:- وقفات تربوية للمهمومين بضيق الحال

إلى كل من ضاقت به السبل وتعثرت في وجهه رياح الدنيا تذكر أن الريح لا تستمر في الهبوب إلى الأبد فبعد كل عاصفة سكون وبعد كل شدة رخاء إن الله يرسل الرياح الشديدة ليطهر الجو وكذلك يرسل الابتلاءات ليطهر القلوب لا تنظر إلى الغبار الذي تثيره الريح في عينيك بل انظر إلى المطر الذي تتهيأ السماء لإنزاله يقينك بالله تحت وطأة الرياح هو الذي يحدد مقامك عنده استثمر هذا الجو بكثرة الاستغفار فما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة.

سابعاً:- رسالة إلى أهل الخير في ربوع مصر

في كافة محافظات بلدنا الحبيب مصر يرتبط الجو دائماً بالعمل والكدح رسالتي لكم اليوم اجعلوا من ذكر الله أنيساً لكم وسط هذا العصف علموا أبناءكم دعاء الريح وأخبروهم أن الله هو اللطيف الذي يرسل الريح ليرحم لا ليعذب ولينفع لا ليضر إن تراحمكم في هذه الأوقات وتفقدكم للضعفاء والمحتاجين هو الذي يستنزل السكينة والبركة.

ختاماً:- الاستقامة في مهب الريح

في الختام الرياح آية والتعامل معها عبادة لنكن ممن يعقلون آيات الله وممن يغتنمون تقلبات الجو لزيادة القرب منه نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظ بلدنا الحبيب مصر من كل سوء ومكروه ويجعلنا من الثابتين على دينه حتى نلقاه والحمد لله رب العالمين.

تعليقات

عدد التعليقات : 0