الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
الخطبة الأولى
إن ديننا الحنيف جاء ليبني الإنسان لا ليهدمه، وليرفع قدره لا ليحط منه. أرسى الإسلام قواعد العلاقات الإنسانية على أسس متينة من الاحترام المتبادل، والعطف، والتراحم، والتعاون على البر والتقوى.
ولقد نصت الشريعة الإسلامية على أن كرامة الإنسان حق مكفول لكل بشر، لا يسلب منه، ولا يستهان به تحت أي ذريعة أو مبرر. إن الله -عز وجل- خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأمرنا بصيانة هذا الخلق والرفق به.
إن ما يسمى في عصرنا الحديث بـ (التنمر) -وهو إساءة المعاملة، أو السخرية، أو التسلط، أو الاستهانة بالآخرين وتحقيرهم بالقول أو الفعل- هو في حقيقته سلوك مجرم شرعا، وخلق ممقوت طبعا.
لقد جاء القرآن الكريم بنهي صريح قاطع عن كل صور السخرية والتنمر، فقال سبحانه في سورة الحجرات:
«يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون»
تأملوا إخوة الإيمان كيف نهى الله عن السخرية والتلامز والتنابز بالألقاب، ووصم فاعل ذلك بالظلمة والفساق إن لم يتوبوا! إن الإنسان حين يتنمر على أخيه الإنسان في شكله، أو لونه، أو صوته، أو طريقة كلامه، أو عاهة في جسده، إنما يعيب في الحقيقة على الصانع جل جلاله لا على المصنوع؛ قال تعالى:
«هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء»
أولا : الآثار النفسية والاجتماعية الخطيرة للتنمر
أيها المسلمون:
إن التنمر ليس مجرد كلمة تقال وتنسى، بل هو جرح غائر يصيب الروح والنفس، وتمتد آثاره الشريرة لتعصف بشخصية الإنسان وتدمر بنيته النفسية والاجتماعية.
• التدمير النفسي والألم الداخلي: المتنمر عليه يعاني في صمت؛ يشعر بالعجز، والإهانة، والنقص، وتظل الكلمات الجارحة تتردد في أذنيه كالمواجع. كم من طفل كره المدرسة وتسرب من التعليم بسبب سخرية زملائه! وكم من شاب أصيب بالإحباط والاكتئاب والانزواء بسبب كلمات تنمرية قاسية لاهية!
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (رواه البخاري ومسلم). فالجرح بالكلمة قد يكون أشد إيلاما من الجرح بالسيف.
• زرع الأحقاد وتفكيك المجتمع: التنمر يمزق نسيج المجتمع، ويزرع الكراهية والبغضاء بين الأفراد. حين يشعر المرء بأنه محط استهزاء الآخرين، يتولد لديه شعور بالرغبة في الانتقام، أو يعتزل المجتمع وينقلب على قِيَمه. وقد حذرنا رسول الله ﷺ من هدم بنية الأخوة فقال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره... بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» (رواه مسلم).
• قتل المواهب والمؤهلات: التنمر يقتل الثقة بالنفس، ويجعل الإنسان خائفا من المشاركة والإبداع. كم من مبدع انطفأت جذوة إبداعه لأنه تعرض للسخرية عند أول محاولة! وكم من صاحب فكرة سامية سكت ولم يتكلم شعورا منه بأن عيوبه السطحية ستكون مادة للسخرية!
ثانياً :كيف عالج النبي ﷺ صور السخرية والازدراء؟
الخطبة الثانية
عباد الله:
لقد كان النبي ﷺ يقف بالمرصاد لكل مظهر من مظاهر الاستهانة بالآخرين، ويربي أصحابه على تعظيم قدر الإنسان رغم الفوارق الظاهرة.
• موقفه ﷺ مع ابن مسعود -رضي الله عنه:- روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الأراك، وكان دقيق الساقين (أي نحيف الساقين جدا)، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه! فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه! فقال النبي ﷺ مصححا الموازين ومعلما للأمة: «والذي نفسي بيده، لهما في الميزان أثقل من أُحُد». فانظروا رحمكم الله كيف حول النبي ﷺ الموقف من سخرية بشكليات الإنسان إلى تعظيم لقيمته الإيمانية ومكانته عند الله.
• موقفه ﷺ مع أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها :- قالت عائشة يوما للنبي ﷺ عن أم المؤمنين صفية -رضي الله عنهما-: «حسبك من صفية كذا وكذا» -تشير إلى أنها قصيرة. فماذا كان رد المصطفى ﷺ؟ هل اغتفرها ككلمة عابرة؟ كلا! بل قال في غضب وموعظة: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته!» (رواه أبو داود والترمذي وصححه). أي لو خلطت هذه الكلمة المقولة في حق التنمر بالشكل بمياه البحار لغيرت طعمها ورائحتها من شدة قبحها وإثمها!
• موقفه ﷺ مع أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه:- حين عيّر أبو ذر رجلا بأمه (وكانت امرأة أعجمية)، فقال له النبي ﷺ موبخا وموجها: «يا أبا ذر، أعيّرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية!» (رواه البخاري). فاعتبر النبي ﷺ التنمر والنقص من قدر الناس بسبب أصولهم أو أمهاتهم خصلة من خصال الجاهلية المقتوتة التي جاء الإسلام ليقضي عليها.
إننا نشهد في زماننا هذا موجة من الانحراف المفاهيمي؛ حيث يحاول البعض تغليف «السخرية والتنمر» بأغلفة براقة كـ «خفة الظل»، أو «المزاح»، أو «صناعة المحتوى والدعاية» على المنصات الحديثة!
يظن البعض أن استهزاءه بأخيه، أو نشر صورته للتندر والتضاحك عليها، أو التعليق التهكمي على ملابسه أو مظهره أو صوته، أمر مسل يضحك الآخرين!
كلا والله! ليست السخرية خفة ظل، بل هي قسوة قلب وسوء أدب!
إن المزاح في الإسلام مشروع، وكان النبي ﷺ يمازح أصحابه، ولكنه لا يقول إلا حقا، ولا يؤذي أحدا، ولا يبني مزاحه على حساب كرامة إنسان.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا!
قال ﷺ: «إني لا أقول إلا حقا» (رواه الترمذي وقال حديث حسن).
وعن عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادا» (رواه أبو داود والترمذي).
إذا كان الإسلام قد نهى عن ترويع المسلم أو أخذ متاعه ولو على سبيل اللعب والمزاح، فكيف بمن يأخذ كرامته وعرضه ومشاعره لاعبا وهازلا؟!
توجيهات عملية لحماية المجتمع والأبناء من التنمر
أيها المربون.. أيها الآباء والأمهات:
إن المسؤولية علينا كبيرة في قمع هذه الظاهرة السلبية من مجتمعاتنا، وذلك عبر خطوات عملية:
1. التربية على الاحترام: غرس قيمة احترام الآخرين في نفوس أبنائنا منذ الصغر، وتعليمهم أن الاختلاف في الأشكال والألوان والقدرات سنة إلهية، وليس مجالا للسخرية.
2. عدم المشاركة في المحتوى الممهد للتنمر: في عصر التواصل الاجتماعي، حذار أن تكون أداة في نشر مقاطع التهكم أو التندر التي تستهزئ بإنسان أو تشهر به تحت مسمى «الضحك». إن المروج للشر شريك في الإثم.
3. حماية الضعفاء والمتنمر عليهم: علينا أن نكون حصنا منيعا لكل من يتعرض للتنمر، وأن نَشُدَّ على أيدي أبنائنا ليكونوا عونا لزملائهم لا سُخَرَةً منهم.
4. تذكر موقف العرض على الله: ليعلم كل متنمر أن الألفاظ محصاة، وأن القلوب المكسورة ستشتكي إلى الله، وأن الدعوات المظلومة ليس بينها وبين الله حجاب؛ قال تعالى: «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد»
أعدها
"الشيخ علي محمد جنيدي"
