الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد :-
الخطبة الأولى
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ الأَفَاضِلُ
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ هَذَا الإِنْسَانَ وَكَرَّمَهُ، وَأَقَامَ هَذَا الوُجُودَ عَلَى مِيزَانِ الحَقِّ وَالعَدْلِ، وَجَعَلَ الأَمَانَةَ وَدِيعَةً غَالِيَةً تَنَاءَى عَنْ حَمْلِهَا الجِبَالُ الرَّوَاسِي، لِتَحْمِلَهَا النُّفُوسُ المُؤْمِنَةُ الشَّرِيفَةُ، وَتَسْتَقِيمَ بِهَا حَيَاةُ المَجْتَمَعَاتِ. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الآفَاتِ الَّتِي تَهْدِمُ أَرْكَانَ المَجْدِ، وَتُقَوِّضُ بُنْيَانَ الأُمَمِ، وَتَنْزِعُ النُّورَ مِنَ القُلُوبِ؛ أَنْ تُبَاعَ الذِّمَمُ فِي سُوقِ الرَّغَبَاتِ، وَأَنْ يُصْبِحَ المَالُ الحَرَامُ مِعْيَارًا لِقَضَاءِ المَصَالِحِ وَالحُقُوقِ!
إِنَّهَا آفَةُ الرِّشْوَةِ؛ ذَلِكُ الدَّاءُ العُضَالُ، وَالسَّرَطَانُ الخَبِيثُ الَّذِي إِذَا تَفَشَّى فِي جَسَدِ أُمَّةٍ أَهْلَكَهَا، وَنَزَعَ مِنْهَا البَرَكَةَ، وَأَحَلَّ فِيهَا المحقة وَالخَرَابَ.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ...
إِنَّ الإِسْلَامَ دِينٌ قَامَ عَلَى طَهَارَةِ اليَدِ، وَعِفَّةِ اللِّسَانِ، وَنَزَاهَةِ الكَسْبِ؛ فَالْمَالُ فِي دِينِنَا لَيْسَ غَايَةً تُبَرِّرُهَا كُلُّ الوَسَائِلِ، بَلْ هُوَ امْتِحَانٌ لِلْعَبْدِ فِي هَذِهِ الدَّارِ. وَالنَّفْسُ البَشَرِيَّةُ بِطَبْعِهَا تَحْرِصُ عَلَى المَالِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ المَرْبُوطَ قَلْبُهُ بِاللَّهِ يَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، فَلَا يَطْلُبُ الرِّزْقَ إِلَّا مِنْ أَبْوَابِهِ النَّقِيَّةِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إِنَّ رُوعَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ» [أخرجه ابن حبان].
فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَسْتَبْطِئُونَ الحَلَالَ، فَيَسْتَعْجِلُونَ المَالَ الخَبِيثَ؟ يَأْكُلُونَ السُّحْتَ، وَيُطْعِمُونَ أَبْنَاءَهُمْ نَارًا تَلَظَّى! وَقَدْ قَالَ صَفْوَةُ الخَلْقِ ﷺ: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ».
وَالرِّشْوَةُ فِي حَقِيقَتِهَا: كُلُّ مَا يُدْفَعُ لِإِبْطَالِ حَقٍّ، أَوْ لِإِحْقَاقِ بَاطِلٍ، أَوْ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى مَغْنَمٍ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ. وَهِيَ جَرِيمَةٌ يَتَشَارَكُ فِي إِثْمِهَا الرَّاشِي الَّذِي يَدْفَعُ، وَالمُرْتَشِي الَّذِي يَأْخُذُ، وَالرَّائِشُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَهُمَا؛ كُلُّهُمْ فِي الإِثْمِ سَوَاءٌ، وَكُلُّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِغَضَبِ اللَّهِ.
عِبَادَ اللَّهِ...
لَمْ يَكُنِ الشَّرْعُ الحَكِيمُ لِيَتَسَاهَلَ مَعَ مَنْ يُفْسِدُ دِينَ النَّاسِ؛ لِذَلِكَ جَاءَتِ النُّصُوصُ مُحَذِّرَةً زَاجِرَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]
وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ أَهْلِ الخِيَانَةِ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42]. وَالسُّحْتُ فِي تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ هُوَ: الرِّشْوَةُ.
أَمَّا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَقَدْ وَرَدَ الزَّجْرُ الَّذِي تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الأَبْدَانُ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» [أخرجه أبو داود والترمذي]، وَزَادَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «وَالرَّائِشَ».
وَاللَّعْنُ يَا عِبَادَ اللَّهِ هُوَ الطَّرْدُ وَالإِبْعَادُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ! فَهَلْ يَشْتَرِي العَاقِلُ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةً، أَوْ مَصْلَحَةً زَائِلَةً، بِحِرْمَانِهِ مِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ...
إِنَّ مِنَ المَصَائِبِ فِي زَمَانِنَا هَذَا، تَغْيِيرَ الأَسْمَاءِ لِتَهْوِينِ الحَرَامِ؛ فَتُرَى الرِّشْوَةُ تُسَمَّى "إِكْرَامِيَّةً"، أَوْ "هَدِيَّةً"، أَوْ "تَسْهِيلَ أُمُورٍ"، أَوْ "شَايًا وَقَهْوَةً"! وَلَكِنَّ العِبْرَةَ فِي الشَّرْعِ بِالحَقَائِقِ لَا بِالأَسْمَاءِ.
تَأَمَّلُوا هَذَا المَوْقِفَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا عَلَى جَبَايَةِ الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي!". فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
«مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي؟! فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ...» [متفق عليه].
هَذَا هُوَ المِيزَانُ النَّبَوِيُّ: لَوْلَا هَذَا المَنْصِبُ، هَلْ كَانَ أَحَدٌ لِيُهْدِيَ إِلَيْهِ؟ فَهَدَايَا العُمَّالِ غُلُولٌ وَسُحْتٌ.
أَيُّهَا المَعَاشِرُ الطَّيِّبُونَ...
إِنَّ لِلرِّشْوَةِ آثَارًا مُمِيتَةً فِي إِفْسَادِ المَجْتَمَعِ؛ فَبِهَا تُهْدَرُ العَدَالَةُ، وَيُظْلَمُ الضَّعِيفُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ المَالَ، وَيَسْتَعْلِي الظَّالِمُ بِمَالِهِ الحَرَامِ. وَبِهَا تُقْصَى الكَفَاءَاتُ وَيُقَدَّمُ غَيْرُ الأَكْفَاءِ، فَيُوَلَّى الخَائِنُ وَيُهَمَّشُ الأَمِينُ. وَبِهَا يَنْتَشِرُ الغَشُّ فِي المَشَارِيعِ وَالأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ مَنْ دَفَعَ رِشْوَةً سَيُعَوِّضُهَا مِنْ جَوْدَةِ البِنَاءِ أَوْ المَنْتُوجِ! فَتَضِيعُ البَرَكَةُ، وَتَنْزِلُ العُقُوبَاتُ، وَتَتَمَزَّقُ أَوْصَالُ الثِّقَةِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَيُقَابِلُ هَذَا الظَّلَامَ نُورٌ سَاطِعٌ مِنْ تَارِيخِ أُمَّتِنَا؛ يَوْمَ كَانَ الرِّجَالُ يَتَوَرَّعُونَ عَنِ الشُّبُهَاتِ:
فَهَذَا الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُصَ ثِمَارَ خَيْبَرَ، عَرَضَ عَلَيْهِ اليَهُودُ حُلِيًّا مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِمْ لِيُخَفِّفَ عَنْهُمْ، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: "يَا مَعْشَرَ اليَهُودِ! وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ، أَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرِّشْوَةِ فَهِيَ سُحْتٌ وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا". فَقَالَ اليَهُودُ: "بِهَذَا العَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ!".
وَهَذَا خَامِسُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ، عِنْدَمَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ تُفَّاحٌ، شَمَّهُ ثُمَّ رَدَّهُ، فَقِيلَ لَهُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ!" فَقَالَ: "كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ هَدِيَّةً، وَأَمَّا لَنَا اليَوْمَ فَهِيَ رِشْوَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُهْدَى إِلَيْنَا مِنْ أَجْلِ المَنْصِبِ!".
فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا الوَرَعِ الَّذِي حَفِظَ اللَّهُ بِهِ الأُمَّةَ وَأَعَزَّ بِهِ المِلَّةَ؟
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
اعْلَمُوا أَنَّ السَّلَامَةَ مِنَ الحَرَامِ وَتَطْهِيرَ المُجْتَمَعِ مِنَ الرِّشْوَةِ لَيْسَ أُمْنِيَةً تُقَالُ، بَلْ هُوَ طَرِيقٌ يُسْلَكُ بِاسْتِحْضَارِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ؛ فَمَنْ غَابَتْ عَنْهُ رَقَابَةُ الخَلْقِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ عَيْنَ الخَالِقِ لَا تَنَامُ، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].
وَلْنَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَنْ نُطْعِمَ أَهْلَنَا وَأَبْنَاءَنَا مِنْ حَرَامٍ؛ فَإِنَّ المَالَ الحَرَامَ يَمْحَقُ بَرَكَةَ البُيُوتِ، وَيَكُونُ حَاجِزًا بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ. ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ:
«الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ: أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» [أخرجه مسلم].
فَعَلَيْنَا بِالقَنَاعَةِ؛ فَإِنَّ القَنَاعَةَ عِزٌّ وَغِنًى، وَمَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى. وَلْنُرَبِّ أَبْنَاءَنَا عَلَى الأَمَانَةِ وَعِفَّةِ اليَدِ، وَلْنَتَعَاوَنْ جَمِيعًا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى لِنَحْمِيَ مُجْتَمَعَنَا مِنْ هَذَا الخَطَرِ.
عِبَادَ اللَّهِ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ.
