زاد الداعية

نفحات إيمانية

الهجرة النبوية الشريفة من جلال تخطيط البشري إلى كمال المدد الإلهي

علي محمد على عبدالعليم جنيدي
المؤلف علي محمد على عبدالعليم جنيدي
تاريخ النشر
آخر تحديث


✍️بقلم الشيخ علي محمد علي جنيدي✅

 الهجرة النبوية منطلق البناء والتمكين

تعد الهجرة النبوية المباركة من أعظم الأحداث التاريخية التي غيرت مجرى البشرية ورسمت معالم الحضارة الإسلامية الغراء إنها لم تكن مجرد هروب من بطش قريش أو بحث عن مأمن شخصي بل كانت خطوة استراتيجية مدروسة بأمر إلهي لتأسيس وطن للعقيدة وبناء مجتمع تسوده قيم العدالة والوسطية والاستقامة إن الوقوف على تفاصيل هذا الحدث الجليل يكشف للمسلم كيف يمتزج العمل بالأسباب الدنيوية مع اليقين المطلق في نصر الله وتأييده وفي هذا المقال نسلط الضوء على فقه الهجرة وأسرارها التربوية التي نحتاجها في واقعنا المعاصر.

أولاً الأخذ بالأسباب قمة التخطيط والمسؤولية

إن المتأمل في رحلة الهجرة يلحظ بوضوح تجلي العبقرية القيادية للنبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ بكل الأسباب البشرية المتاحة فلم يترك أمراً للصدفة بل خطط لكل تفصيلة بدقة متناهية من اختيار الصاحب الوفي أبي بكر الصديق ودليلاً خبيراً بالطرق والتوقيت المناسب للخروج والاختباء في غار ثور حتى توزيع الأدوار بين علي بن أبي طالب في النوم بمرقده الشريف وأسماء بنت أبي بكر في التموين وعبد الله بن أبي بكر في الاستخبارات إن هذا التخطيط المحكم يعلم الأمة أن التوكل على الله لا يعني التواكل بل هو بذل الجهد البشري كاملاً ثم ترك النتائج لرب العالمين.

ثانياً اليقين في المدد الإلهي حين تنقطع الأسباب

حينما بذل النبي صلى الله عليه وسلم كل ما في وسعه البشري ووصلت قريش إلى باب الغار وانقطعت الأسباب الأرضية تماماً تجلى هنا كمال اليقين والمدد الإلهي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فعندما قال الصديق رضي الله عنه لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا جاء الرد النبوي الواثق والمطمئن ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا إن هذه الكلمة العظيمة تظل نبراساً لكل مؤمن يواجه رياح الأزمات وضيق الحال في حياته فمعية الله الخاصة هي الحصن الحصين الذي يبدد المخاوف ويستنزل السكينة والنصر.

ثالثاً وثيقة المدينة وإرساء دعائم الدولة والوسطية

لم يكن وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة نهاية الرحلة بل كان بداية التأسيس الفعلي للمجتمع الإسلامي حيث قام بأول خطوة تشريعية واجتماعية رائدة وهي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لإذابة العشائرية ثم كتابة وثيقة المدينة التي تعد أول دستور مدني ينظم الحقوق والواجبات ويحفظ لغير المسلمين حريتهم وأمانهم إن هذا البناء السلوكي يظهر بجلاء سماحة الشريعة الإسلامية ومنهجها الوسطي في استيعاب الجميع وإقامة مجتمع مستقر يقوم على التراحم والتعاون وبناء الأوطان بالخير والعدل والكدح المشترك.

رابعاً الهجرة المتجددة وجهاد النفس في واقعنا

إن الهجرة بالمعنى المكاني قد انقطعت بفتح مكة لقوله صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح ولكن ولكنها بقيت ممتدة بمعناها المعنوي والتربوي الذي يمس حياة كل مسلم اليوم في قوله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه إننا في هذا العصر نواجه فتناً وشبهات عاصفة تقتضي منا هجرة الذنوب والمعاصي والكسل والتوجه نحو العمل الصالح والاستقامة وتحصيل العلم النافع إن الهجرة الحقيقية المعاصرة هي أن يهاجر المسلم بقلبه وسلوكه من ضيق الآمال الدنيوية إلى سعة اليقين بالله والعمل لمصلحة مجتمعه ورفعة وطنه.

خامساً رسالة طمأنة وأمل لربوع بلدنا الحبيب مصر

في ظلال ذكرى الهجرة النبوية نوجه رسالة أمل ويقين لأهل الخير والفضل في كافة ربوع بلدنا الحبيب مصر إن ضيق الحال وتغيرات الزمان التي قد يمر بها الإنسان هي أشبه بضيق شعاب مكة قبل الهجرة والتي أعقبها سعة المدينة ونصرها وتمكينها إن بعد كل شدة رخاء وبعد كل عاصفة سكوناً والواجب علينا هو الالتفاف حول قيم التراحم وتفقد المحتاجين وغرس الاستقامة في نفوس أبنائنا وبناتنا لتظل مصر دائماً حصناً إيمانياً ومنبعاً للوسطية والأمان كما أرادها الله عز وجل.

وختاماً الهجرة النبوية درس مستمر في الثبات

نستلهم من الهجرة النبوية الشريفة مدرسة متجددة تنهل منها الأجيال معاني التضحية والثبات على المبدأ وحسن التوكل على الخالق سبحانه نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يفيض على بلدنا الحبيب مصر بركات هذا الدين وسماحته وأن يرزقنا الهجرة الإيمانية الصادقة إلى ما يحبه ويرضاه وأن يثبت قلوبنا على الاستقامة حتى نلقاه وهو راض عنا والحمد لله رب العالمين.

تعليقات

عدد التعليقات : 0