اترك أثرا طيباً
بقلم الفقير الراجي عفو ربه /علي محمد جنيدي
إن من أعظم ما يجب أن يتفكر فيه الإنسان في هذه الحياة الدنيا هو الأثر الذي يتركه بعد رحيله، فإن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، والإنسان مهما عاش فهو راحل، وما يبقى للإنسان بعد انقضاء عمره إلا ما قدّمه من أعمال وأخلاق وأفعال تبقى في ذاكرة الناس وسجلات الآخرة
ومن هنا جاء حث الشريعة المطهرة على ترك أثر طيب، سواء كان ذلك بالأقوال أو الأفعال، فهي من أبواب الخير التي يبقى ثوابها ممتدًا للإنسان بعد موته
وقد جاء في كتاب الله العزيز توجيهات جليلة لأولي الألباب في هذا الباب العظيم. يقول الله سبحانه وتعالى: "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ" (يس: 12)، وهذه الآية الكريمة تدل على أن الله تعالى يكتب للإنسان ما قدمه من أعمال في حياته، بل ويكتب كذلك آثاره التي تركها بعد وفاته، سواء كانت أعمالًا صالحة يبقى نفعها أو سيئةً قد يضل بها غيره فينبغي على المؤمن أن يحرص على أن تكون آثاره بعد موته صالحة نافعة له في ميزان حسناته
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (رواه مسلم)
فهذا الحديث الشريف بيّن أن الأثر الطيب الذي يبقى للإنسان بعد موته إنما هو ما كان من جنس هذه الأعمال الثلاثة: صدقة جارية يستمر نفعها، أو علم ينتفع به الناس، أو ولد صالح يتربى على التقوى ويذكر والده بالدعاء وهذه الأمور كلها تعد من أنواع الآثار الطيبة التي ينبغي على كل مسلم أن يسعى إليها في حياته
ومن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان من أثر طيب هو نشر العلم النافع بين الناس، وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لهُ طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ" (رواه مسلم)
وهذا يدل على أن من أفضل الأعمال التي يتركها الإنسان بعد موته هو العلم الذي ينتفع به، سواء كان تعليمًا مباشرًا أو مؤلفات أو نصائح تنفع الناس في حياتهم
فكل كلمة علمية تصل إلى الناس ويُنتفع بها تكون في ميزان حسنات صاحبها
كما أن الصدقة الجارية هي من أعظم أبواب الخير التي يبقى أثرها بعد موت الإنسان وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "مَن بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي به وجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لهُ مِثْلَهُ في الجَنَّةِ" (رواه البخاري)
فهذا الحديث الشريف يدل على أن من ترك صدقة جارية كبناء مسجد أو إنشاء مشروع خيري يستفيد منه الناس، فإن هذا العمل يكون سببًا في استمرارية الثواب له بعد موته
والإحسان إلى الناس ورفع الكرب عنهم من أعظم الأعمال التي تترك أثرًا طيبًا في الدنيا والآخرة
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْهُ كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ" (رواه مسلم) فالإنسان الذي يسعى للتخفيف عن الناس ومساعدتهم ورفع معاناتهم يكون قد ترك أثرًا خالدًا في حياتهم، وكتب الله له بذلك الأجر العظيم في الدنيا والآخرة
وفي هذا السياق، يجدر بالمسلم أن يتذكر أن أثره الطيب لا يكون فقط بالأعمال الكبيرة، بل حتى بالكلمة الطيبة التي يلقى بها الناس فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة" (رواه البخاري)
فكل كلمة طيبة تصدر من الإنسان تسهم في نشر الخير والمحبة بين الناس، وتكون سببًا في تذكره بخير بعد موته.
وفي الختام، يجب على كل مسلم أن يتفكر في حياته وأن يسعى إلى أن تكون أعماله وأخلاقه وسيرته كلها طيبة، لأن هذه الدنيا دار عمل، وما يزرعه الإنسان فيها يجني ثمرته في الآخرة والأثر الطيب هو ما يبقى للإنسان بعد رحيله، وما يدخره في صحيفته ليوم الحساب
فليحرص المسلم على أن يكون أثره طيبًا في الدنيا، لينال به الرضوان من الله عز وجل في الآخرة.
