🖋️بقلم الفقير علي محمد علي جنيدي
الفتوى بغير علم تُعد من أخطر القضايا التي تواجه المجتمعات الإسلامية في عصرنا الحالي، لما تحمله من تهديدات جسيمة لدين الناس ودنياهم
فالفتوى ليست مجرد إبداء رأي شخصي، بل هي حكم شرعي يُبنى على علمٍ راسخٍ بالنصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، وفهم دقيق للمقاصد الشرعية والقواعد الفقهية
لذلك، فإن من يتصدر للإفتاء دون أن يكون مؤهلًا علميًا ومعرفيًا لتحمل هذه المسؤولية الجسيمة، يُعد مُعتديًا على الشريعة، ومُسهمًا في نشر الفساد والضلال بين الناس.
أولًا: خطورة القول على الله بغير علم
إن القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات التي حذر منها القرآن الكريم في مواضع عديدة، وذلك لما قد يترتب عليه من تضليل الناس عن الحق وإفساد عباداتهم ومعاملاتهم.
قال الله تعالى في محكم التنزيل: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا" (الإسراء: 36).
هذه الآية الكريمة تُبرز لنا أهمية التثبت والتحري قبل النطق بأي قول، خاصة في المسائل التي تتعلق بالشرع، حيث يُحاسب الإنسان على كل ما يقوله من أحكام وآراء
فالقول في الدين بغير علم يُعد تعديًا على حدود الله، وهو ما حذرنا منه الله تعالى في قوله: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (الأعراف: 33).
فالآية تضع القول على الله بغير علم في نفس مستوى الفواحش والإثم والشرك، مما يدل على عِظَمِ هذا الجرم.
ثانيًا: الفتوى بغير علم تُضل الناس وتُفسد حياتهم
جاء في السنة النبوية المطهرة ما يوضح خطورة الفتوى بغير علم، ومن ذلك قول النبي ﷺ: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (رواه البخاري ومسلم).
هذا الحديث الشريف يوضح لنا أن الفتوى بغير علم تُعتبر من الأسباب الرئيسية للضلال الذي قد يصيب الأمة، حيث يتجرأ الجهال على تصدر المشهد الديني، فيضلوا أنفسهم ويضلوا غيرهم، وهذا ما نراه في عصرنا الحالي من انتشار فتاوى خاطئة في قضايا حساسة تتعلق بحياة المسلمين وعقائدهم.
ثالثًا: من أفتي بغير علم تحمل إثمها وإثم من تبعه
من الأمور الخطيرة في الفتوى بغير علم أن المفتي الجاهل لا يتحمل فقط وزر ما أفتى به، بل يتحمل أيضًا إثم كل من اتبع فتواه الخاطئة. فقد قال النبي ﷺ: "من أُفتي بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه" (رواه أبو داود).
هذا الحديث الشريف يبرز لنا مسؤولية المفتي تجاه الناس، وكيف أن الفتوى ليست مجرد رأي أو اجتهاد شخصي، بل هي أمانة عظيمة سيُحاسب عليها يوم القيامة. فالذي يفتي بغير علم قد يؤدي إلى فساد عبادات الناس ومعاملاتهم، مما يعرضه لعقوبة عظيمة عند الله تعالى.
رابعًا: ضرورة التأهيل العلمي لمن يتصدر للفتوى
الإسلام لا يقبل أن يتصدر للفتوى أي شخص دون أن يكون مؤهلًا تأهيلًا علميًا كاملًا. وقد وضع العلماء شروطًا دقيقة لمن يتولى مهمة الإفتاء، ومن أهم هذه الشروط:
1. العلم بالقرآن الكريم والسنة النبوية: لا بد أن يكون المفتي عالمًا بالآيات والأحاديث المتعلقة بالمسألة التي يُسأل عنها، وأن يفهم معانيها ودلالاتها.
2. الاجتهاد: أن يكون المفتي قادرًا على الاجتهاد في المسائل التي لا يوجد فيها نص صريح، وذلك وفقًا للقواعد الأصولية والفقهية المعتمدة.
3. معرفة الواقع: الفتوى تتعلق بالواقع المعاش، لذلك يجب أن يكون المفتي على دراية كاملة بواقع الناس وظروفهم حتى يستطيع أن يُصدر حكمًا يتناسب مع حياتهم.
في الختام، يجب على المسلمين جميعًا أن يتقوا الله في أمر الفتوى، وألا يُفتوا في الدين بغير علم
ومن واجب العلماء أن يحذروا الناس من خطورة الفتوى بغير علم، وأن يشجعوا على طلب العلم الصحيح من مصادره الموثوقة
كما ينبغي على المسلمين ألا يقبلوا أي فتوى إلا من العلماء الثقات الذين عُرف عنهم العلم والتقوى والورع، وذلك حتى لا يقعوا في فخ الفتاوى الخاطئة التي قد تُضلهم عن سبيل الله.
إن الفتوى مسؤولية عظيمة، فهي إما أن تكون نورًا يهدي الناس إلى الطريق المستقيم، أو تكون ظلامًا يُضلهم عن الحق
فلنتقِ الله جميعًا في ما نقول، ولنتذكر قول النبي ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (رواه البخاري ومسلم)
ينبغي على كل من يحتاج إلى فتوى أن يلجأ إلى العلماء الموثوقين والمؤسسات الدينية المعترف بها، مثل الأزهر الشريف، لضمان الحصول على الفتوى الصحيحة المبنية على أسس علمية شرعية.
